الشيخ محمد الصادقي

47

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

يستمتع بها اخلادا إلى الحياة الدنيا فيقال لهم : ها أنتم لم تدخروا من هذه الطيبات شيئا تعيشون بها في الأخرى ، إذ لم تحسبوا لها حسابا ، وإنما حسبتم أنها الأولى والأولى فقط ، فأذهبتم فيها كل الطيبات ، غافلين عن الأخرى كأن لم تكن شيئا مذكورا : « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » ( 30 : 7 ) . ترى وما هي الطيبات الذاهبة الفانية في الحياة الدنيا ، التي كان من المفروض إبقاءها واستثمارها للحياة الأخرى ، والدنيا بما فيها فانية لا تبقى ؟ ! . إن الطيبات هي طيبة الحياة : روحا انسانية وعقلا ؛ حالا ومالا ، وكل ما رزقك اللّه من مظاهر الحياة ، روحية ومادية ، التي تتبنى لك حياة سعيدة في العاجل والآجل . ولكنك أذهبتها في هذه الدنيا مبصرا إليها كأنها الحياة فقط ، لا مبصرا بها عمق الحياة ، ولكي تستغلها للأخرى ، مستقلا لها في الأولى ومستكثرا للأخرى ، فأنت أنت الأحمق الأطغى أغمضت عين العقل فأذهبت طيباتك في حياتك الدنيا ، وبدلت نعمة اللّه كفرا ، واستمتعت بها كأنها فقط للأولى ، ولإشباع غريزة الشهوات ، فلم تبق لك أية طيبات ، اللهم إلا خبيثات وخبيثات « لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » ( 8 : 37 ) : « الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ » ( 42 : 45 ) . إنكم « اسْتَمْتَعْتُمْ بِها » بدل أن تستمتعوها ، لتشتروا بها الحياة الأخرى ، فلا متعة لكم منها فيها حيث اذهبتموها في متع الأولى ، وهذه إهانة لنعم اللّه ومهانة للطيبات تجزون بها جزاء وفاقا : فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ : استكبار يخلفه اذهاب الطيبات في الحياة الدنيا تغافلا عن الأخرى ،